الشيخ رفاعه رافع الطهطاوى

مقدمة 10

نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز

فيم الخلاف والتطاول إذن ؟ مع أن الأمور واضحة ومقرّرة : لنا أعمالنا ولكم أعمالكم إن افتريته فعلى أجرامي وأنا بريء مما تجرمون لا تسألون عمّا أجرمنا ولا نسأل عما تعملون بل إن الآية 24 من سورة سبأ تحمل معنى رائعا ، وذلك بعدم القطع بالمصيب والمخطئ من المتجادلين ، وترك الأمر لحكم الله ، وذلك في قوله تعالى : وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ، أحد الفريقين بالقطع ( على هدى ) ، والآخر ( في ضلال مبين ) لكن دون تحديد ، نزاهة وإنصافا للخصم المجادل ، وإحقاقا لأدب الخلاف . هذه الظاهرة - الإنصاف للاخر عند الاختلاف ، بعدم القطع بمن على صواب ، أو عدم القطع بالأفضل ، أو عدم القطع بمن ينتصر - عرفها العرب . . حسّان بن ثابت يدافع عن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، ردّا على هجاء أبي سفيان بن الحارث له ، يقول حسّان مخاطبا أبا سفيان : هجوت محمد فأجبت عنه * وعند الله في ذاك الجزاء أتهجوه ولست له بكفء * فشرّكما لخيركما الفداء لاحظ الشطر الأخير ( فشركما لخير كما الفداء ) لم يقل الشاعر إن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم هو خيرهما ، وإن كان مؤمنا بذلك ، نزاهة وثقة بأن ممدوحه هو الأفضل وإن لم يصرّح بذلك . . . الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم قام بتطبيق أعظم الأمثلة في الأدب الاختلاف ، وذلك بالتنازل عن ذكر صفته - وهي الرسالة - عند تسجيل معاهدة الحديبية ، بل والتنازل عن ذكر البسملة بصورتها المعهودة ، اكتفاء بكلمة ( باسمك اللهم ) ، وذلك نزولا